Sunday, April 5, 2009

الدهشة



يقولون، يصبح الإنسان فيلسوفا جيدا عندما يقوى على الدهشة. لماذا يسأل الأطفال أسئلة كثيرة ، بعضها لا يخطر على بال الكبار و حتى المتعلمون منهم؟

لأنهم لم يحترفو الاعتياد الذي يحترفه الكبار ، الاعتياد يسرق الدهشة و يقتل التساؤل. يقول د.مصطفى محمود في أحد كتبه أن العاطفة تختفي بين الزوجين بسبب الاعتياد، "الفنلة"التي تلبسها تشعر بها في البداية، ثم بعد تعود جلدك عليها تفقد الإحساس بها.

الاعتياد ليس استقرارا، هو اتكال على المألوف و استئناس به ، نقول تعودنا على ذلك و نهاب اكتشاف أي جديد لا نعلم ما يحمل بين دفاته من مرغوب أو مكروه.

لماذا نأنس للمعتاد؟ هو تقاعس عن الدهشة، بكل ما تحمله من تساؤل و اكتشاف و تفكير و تحليل و استنتاج.
من يقوى على الدهشة يعيش حياته بتذوق مختلف عن الآخرين، و لنسميهم المعتادين. كل شيء بالنسبة له يحمل معنى جديد، و طعم متميز، في كل حدث هناك تجربة جديدة تستحق التوقف و التمعن و الانبهار. هذا ما يفعله الطفل عندما يشاهد سربا من النمل يمشي في نظام و تآلف، يقف الطفل مندهشا، متسائلا، مستخلصا لنتائج و استنباطات لا تخطر ببال المتغاضين عن الجمال الذين إما رشوا النمل بالمبيد أو استنجدو بالشيخ لرقية المنزل و الزوجان من الحسد.

عندما نندهش نتأمل، نستطعم، نتذوق و نتصل بالإبداع الذي لابد و أن يتولد من تأملاتنا ، كل صباح مختلف عما قبله، و كل غروب هو انحسار لشيء جديد. لا تكرار في الكون، نحن من خلق التكرار، بالاعتياد و العمى الاختياري عن رؤية الجمال فيما حولنا، أعمق الفلسفة من طفل يسأل لماذا؟ و ماذا لو؟ و كيف إذا كان غير ذلك؟

أنا أندهش، إذا أنا موجود. أنا معتاد، إذا أنا مغيب، باختياري لأسلوب سهل في التواكب مع مجريات الحياة.
دائما نسمع من الناس كلمة لا جديد، كيف لاجديد؟ أو لاشيء يحدث. لا جديد و لا شيء معناه موتنا ، في الموت فقط تتوقف الحياة، طالما نتنفس هناك جديد، وهناك شيء يحدث ، فقط علينا أن نلاحظ و نصغي و ننتبه، ثم تأتي الدهشة بموكبها الرائع من أحاسيس التجدد و الانبهار و الاكتشاف و التأمل و التذوق المتميز.

المعجزات انتهت لكننا ننسى أن الحياة في حد ذاتها معجزة هائلة مستمرة إلى نهاية الأرض، لقد فقدنا حس التذوق مع الانكباب على الحياة و متطلباتها، أصبح لكل شيء طعم واحد ، لا تميز أو اختلاف، و لا تساؤل أو دهشة.

حتى أصبحت الدهشة تؤخذ على الإنسان، فنسمع تعليقا مثل: لم تلاحظ قبلا، أو ليست المرة الأولى التي تحدث.

انظروا حولكم جيدا للمعتاد لكم، حاولو أن تدهشو و تتأملو ، و لنتشارك دهشاتنا و تأملاتنا هنا ، لنتجدد و نتذوق بنظرة جديدة و طعم مختلف، أطلقو العنان للطفل المتعجب المتسائل بداخلكم لنتعلم منه ما غفلنا عنه في لهثنا المتواصل وراء حياة لا تضيف لنا بل تسرق منا لذتها المتجاهلة من قبلنا

هالة

التناقضات



نتصارع مع أنفسنا لنقضي علي تناقضاتنا، و ننسى أن التناقض شيفرة كونية لنتذوق الجمال و نميز القبيح ،إذا اعتبرناهما معياران للتميز أو التفاضل بين الأمور.



لولا المتضادات ( و نتحدث هنا عن المتضادات المقبولة و ما لا يخرج عن العقيدة) لاستوت الأمور كلها في أنظارنا دون تقدير لقيمتها و لفقدنا الدهشة التي تتولد كلما اختبرنا نقيضا و كأننا نراه أو نحسه لأول مرة ، الشروق الدائم يفقد بهجته و الغروب اللانهائي كئيب و غير شاعري.



المتضادات مكملة لبعضها من حيث لفت انتباهنا للنقص أو عدم اكتمال العناصر في أحدها، نتعرف على المذاق الحلو لأول مرة عندما نتذوق المر ، فنميل لأحدهما و نطالب به مرة، ثم ننشد الآخر مرة أخرى ، فنبني اختياراتنا بناءا على تجربتنا و ليس من منطلق محدودية الاحتمالات.و هكذا بتناقضاتنا نشهد أكثر من وجه للحقيقة، حقيقتنا، و نتذكر دوما بشريتنا، أننا لسنا آلات مبرمجة على نظام تشغيل واحد، و كذلك ليس الآخرون، فكما يشتتنا تناقضنا و يرفعنا و يخفضنا، كذلك هم يتقلبون.




و لكن تلك الحقيقة تبقى دوما حقيقة مزدوجة، ذات وجهين، نعيى و يعيى من حولنا في تحديد صورة محددة لنا، وانتهاج خطة للتعامل و التفاعل مع هذه الاختلافات، البعض يسلم لها و يعيش لحظته كما يحلو لأي نقيض أن يظهر و يتصدر الساحة الذاتية ، و البعض يعمل اختياره و تفضيله في ضرورة غلبة وجه على نقيضه، فنفاضل واحدا على الآخر، و نتحارب مع أنفسنا، و في محتدم الصراع تصقل حقيقتنا التي نبقى عليها عند تهادن النقيضين و ليس موت أحدهما لأن الصراع باق ما بقينا ، مستمرا في شد و جذب و لكن اختياراتنا هي التي تحدد ميلنا و استمرارنا في أي طريق .



هذا المعترك هو ما يميزنا عن غيرنا من الكائنات، لا نعيش كالجماد ، نبقى على حالنا مهما تغيرت الظروف . ربما تكون المتضادات ضرورة حياتية في بعض المواقف، فما لا يطوع بالقوة يطوع باللين، و العكس صحيح ، و لك أن تختبر و تجرب .و للتجربة لذة في الاكتشاف ، لما يحويه كل نقيض من استحثاث لشعور و مقارنة و استحضار لفكرة و نتيجة و قرار، و كأنك تعيش أكثر من حياة و يعصف داخلك أكثر من حوار و أنت تراقب و تفاضل و تنحاز و تتراجع و تقتنع و تنفذ....



فلندع تناقضاتنا تتحدى بعضها البعض، لنصل إلى نشوة العيش الحقيقي، التي تتأتى لنا ، عندما تكون حياتنا مجموعة حيوات...


هالة

الحب


كل ما حولنا في هذا الكون البديع الصنع قائم على الحب . تذوق الجمال يحتاج للشعور بالحب نحو الشيء الجميل كي نقدره و نشعر بجماله.
، لقد حدثنا الله عن الحب قبل أن نخلق في أحاديثه القدسية و كتبه السماوية و على لسان أنبيائه.
التعامل بحب هو الأساس في هذا الكون، الزهرة اذا أحببتها أزهرت و تفتحت و أمتعتك، و هكذا البشر، اذا تعاملنا معهم بحب انتشرت طاقة الحب اليهم و عادت الينا من خلال محبتهم .


الحب هو المولود الأول للخير، الأخ الأكبر للتسامح، الأب الروحي للسمو و الارتقاء.
الحب هو الأساس في العلاقات ، بين الله و عباده ، و بين المخلوقات و الكون، و بين البشر و بعضهم.
تمام الايمان مشروطا باطلاق الحب على وجهه الأكمل لله و رسوله لأن هذا الحب هو الحب المطلق ، الحب المحرر، السامي.
لأن الحب عاطفة ربانية بالدرجة الأولى اذا مارسناها و أطلقناها بحرية حررتنا من قيودنا و العوائق التي تواجهنا.


و الحب الرباني طاقة عظيمة هائلة، حب حر غير أناني كحب البشر ، حب غير مشروط ، حب لأجل الحب لمن يستحق الحب ، ينبع من علاقة خاصة فيها الكثير من العفو و التسامح و التفهم. حب لا تملك فيه، ان أكثر ما يدمر علاقة الحب هو رغبة التملك، فنحن نخلط بين الحب و رغبتنا الشديدة في الاستحواذ بشكل كامل على ما نحب و من نحب، سواء كان منصب، منزل، ثروة، صديق، زوج أو أبناؤنا.


هذا التملك هو ما يدفع بالحب للانتحار فهما لا يجتمعان لأن الحب حرية ، عندما تحب شخصا عليك أن تحبه في حدودك أنت دون أن يتجاوز حبك مساحته الخاصة حتى لا تخنقه و عندما تحب شيئا عليك أن تعلم أنه ليس لك على وجه الاطلاق لأن الحظ ملك الجميع يأتيك يوما ثم يغادرك ليذهب لغيرك ، هذا هو دوره أن يمتع الجميع و ليس شخصا بعينه .


و الحب غير مشروط بكون حبيبك ذكي، ثري أو كونه يتمتع يأي ميزة تثير الاعجاب من وجهة نظرك، أن يكون حبك غير مشروط يعني أن أن تحب الله في من تحب، عندما تنظر الى حبيبك أيا كان لا بد أن ترى ابداع خلق الله فيه و أن تعجب لقدرته في أن صوره بهذا الشكل الذي يعجبك و صاغه لك بهذا العقل و النفس التي أحببتها، و أن تتقبل تغير حاله لأنك أحببت الله فيه و لم تستحوذ عليك بشريته، و الحب الرباني متفهم لتقلبات البشر و تبدل أحوالهم فلن يتغير شعورك اذا كان هذا هو حبك.


أن تمتلئ بالحب يعني أن تمتلئ بطاقة الحياة، و الحب هنا يجب أن يشمل الكون بأكمله ، أن تحب كل البشر دون استثناء، أن تحب كل مخلوقات الله الحية و غير الحية، و عندما تحبها فعلا تعي أن كل مخلوقاته حية حتى تلك التي لا تنطق منها ، فهي تنطق بلغتها الخاصة التي يسمعها خالقها.
فقط عندما تمتلئ بالحب يعني أن تمتلك الحب و تعطي الحب ، عندها تتوقف عن البحث عنه في كلمة حبيب أو حضن طفل أو تفهم صديق.


عندما تمتلئ بالحب الرباني الحر غير المشروط تتحرر من عبودية العاطفة ، و الابتزاز العاطفي ، و الامتهان العاطفي و كل أنواع تدمير الحب، فعندما يخترقك الحب و تمتلئ به تصبح كيانا شفافا لا يقبل عبودية العاطفة و امتهانها و ابتزازها لأنك تنبض به و تعطيه دون انتظار مقابل و دون قيد أو شرط، فان عاد لك أو لم يعود مازلت أنت تضخه و يملؤك ، يصبح عندك تشبع و اكتفاء بالحب لأنك تستمده من بحره الأعظم الذي يعطيك دون شروط و دون أن يحسب عليك حصتك منه .


عندما تمتلئ بالحب تبدأ في تكوين علاقة تفاهم مع كل ما حولك، تشعر أن من حولك تغير و أصبح أكثر ليونة و رقة ، حتى تعاملك مع أشياءك الخاصة تأخذ منحى آخر.
ستبدأ تلحظ النواحي الجمالية في طاولة منزلك و كيف أنك تستفيد منها و ستبدأ تقدر سيارتك القديمة أكثر لأنها تحملتك سنين طويلة ،ستتنبه الى أن كل ما حولك بشري أو غير بشري يحمل معاني جميلة و لديه ايجابيات لم تلحظها قبلا.
و كي يكون حبك كاملا ستسمح لكل ما تحبه و يمتعك أن يرحل عنك و قتما يشاء، لأن الحب ضد التملك و هذا الأخير رفيق التعلق و الذي ينبع من الأنانية.


ستحب الشخص أو الشيء لحظة وجوده معك، فان انتهت اللحظة استمر حبك و لكن دون التطلع لوجوده مجددا ، فان عاد استمتعت به ثانية و أنت تعلم أنه سيرحل، و عندها احرص على أن يرحل محملا منك بالحب الحر غير المشروط بالعودة أو بأي مصالح خاصة بك، و الا لن يعود و ستدخل في دائرة الحرمان و التعلق .


هذه الطاقة العظيمة عندما تستحوذ هي عليك ستأتيك بجناتها الأخرى ، سيزورك التسامح فان كنت حقا كائن الحب المطلق سكن عندك، و زارك بعده الغفران و التعاطف و التفهم و هكذا حتى تستيقظ يوما ( و الاستيقاظ هنا لا يعني من النوم، فنحن جميعا في نوم عميق حتى عندما نستيقظ و نفتح أعيننا) لتشعر و تشعر الى حد الاحساس الملموس و اليقين أن كل ما في الكون يحبك و يتخاطب معك و يتعاطف معك، بصوت أو بدون صوت ، بأي لغة،في نومك ، في يقظتك ، في كل حالاتك.


أذكر قصة لا أتذكر تفاصيلها أو الأسماء الا أن أحد الصالحين لم يتزوج و رأى في المنام من ستصبح زوجته في الجنة و عرف مكانها و عنوانها و ذهب لرؤيتها فرآها ترعى غنمها و بجانب الغنم الذئاب لا تؤذيها ، فسألها كيف ذلك فأجابته اجابة رائعة، قالت: لقد أصلحت ما بيني و بين الله فأصلح الله ما بيني و بين خلقه.


طاقة الحب مفتاح السعادة الأكبر.



هالة