يقولون، يصبح الإنسان فيلسوفا جيدا عندما يقوى على الدهشة. لماذا يسأل الأطفال أسئلة كثيرة ، بعضها لا يخطر على بال الكبار و حتى المتعلمون منهم؟
لأنهم لم يحترفو الاعتياد الذي يحترفه الكبار ، الاعتياد يسرق الدهشة و يقتل التساؤل. يقول د.مصطفى محمود في أحد كتبه أن العاطفة تختفي بين الزوجين بسبب الاعتياد، "الفنلة"التي تلبسها تشعر بها في البداية، ثم بعد تعود جلدك عليها تفقد الإحساس بها.
الاعتياد ليس استقرارا، هو اتكال على المألوف و استئناس به ، نقول تعودنا على ذلك و نهاب اكتشاف أي جديد لا نعلم ما يحمل بين دفاته من مرغوب أو مكروه.
لماذا نأنس للمعتاد؟ هو تقاعس عن الدهشة، بكل ما تحمله من تساؤل و اكتشاف و تفكير و تحليل و استنتاج.
من يقوى على الدهشة يعيش حياته بتذوق مختلف عن الآخرين، و لنسميهم المعتادين. كل شيء بالنسبة له يحمل معنى جديد، و طعم متميز، في كل حدث هناك تجربة جديدة تستحق التوقف و التمعن و الانبهار. هذا ما يفعله الطفل عندما يشاهد سربا من النمل يمشي في نظام و تآلف، يقف الطفل مندهشا، متسائلا، مستخلصا لنتائج و استنباطات لا تخطر ببال المتغاضين عن الجمال الذين إما رشوا النمل بالمبيد أو استنجدو بالشيخ لرقية المنزل و الزوجان من الحسد.
عندما نندهش نتأمل، نستطعم، نتذوق و نتصل بالإبداع الذي لابد و أن يتولد من تأملاتنا ، كل صباح مختلف عما قبله، و كل غروب هو انحسار لشيء جديد. لا تكرار في الكون، نحن من خلق التكرار، بالاعتياد و العمى الاختياري عن رؤية الجمال فيما حولنا، أعمق الفلسفة من طفل يسأل لماذا؟ و ماذا لو؟ و كيف إذا كان غير ذلك؟
أنا أندهش، إذا أنا موجود. أنا معتاد، إذا أنا مغيب، باختياري لأسلوب سهل في التواكب مع مجريات الحياة.
دائما نسمع من الناس كلمة لا جديد، كيف لاجديد؟ أو لاشيء يحدث. لا جديد و لا شيء معناه موتنا ، في الموت فقط تتوقف الحياة، طالما نتنفس هناك جديد، وهناك شيء يحدث ، فقط علينا أن نلاحظ و نصغي و ننتبه، ثم تأتي الدهشة بموكبها الرائع من أحاسيس التجدد و الانبهار و الاكتشاف و التأمل و التذوق المتميز.
المعجزات انتهت لكننا ننسى أن الحياة في حد ذاتها معجزة هائلة مستمرة إلى نهاية الأرض، لقد فقدنا حس التذوق مع الانكباب على الحياة و متطلباتها، أصبح لكل شيء طعم واحد ، لا تميز أو اختلاف، و لا تساؤل أو دهشة.
حتى أصبحت الدهشة تؤخذ على الإنسان، فنسمع تعليقا مثل: لم تلاحظ قبلا، أو ليست المرة الأولى التي تحدث.
انظروا حولكم جيدا للمعتاد لكم، حاولو أن تدهشو و تتأملو ، و لنتشارك دهشاتنا و تأملاتنا هنا ، لنتجدد و نتذوق بنظرة جديدة و طعم مختلف، أطلقو العنان للطفل المتعجب المتسائل بداخلكم لنتعلم منه ما غفلنا عنه في لهثنا المتواصل وراء حياة لا تضيف لنا بل تسرق منا لذتها المتجاهلة من قبلنا
هالة