Sunday, April 5, 2009

التناقضات



نتصارع مع أنفسنا لنقضي علي تناقضاتنا، و ننسى أن التناقض شيفرة كونية لنتذوق الجمال و نميز القبيح ،إذا اعتبرناهما معياران للتميز أو التفاضل بين الأمور.



لولا المتضادات ( و نتحدث هنا عن المتضادات المقبولة و ما لا يخرج عن العقيدة) لاستوت الأمور كلها في أنظارنا دون تقدير لقيمتها و لفقدنا الدهشة التي تتولد كلما اختبرنا نقيضا و كأننا نراه أو نحسه لأول مرة ، الشروق الدائم يفقد بهجته و الغروب اللانهائي كئيب و غير شاعري.



المتضادات مكملة لبعضها من حيث لفت انتباهنا للنقص أو عدم اكتمال العناصر في أحدها، نتعرف على المذاق الحلو لأول مرة عندما نتذوق المر ، فنميل لأحدهما و نطالب به مرة، ثم ننشد الآخر مرة أخرى ، فنبني اختياراتنا بناءا على تجربتنا و ليس من منطلق محدودية الاحتمالات.و هكذا بتناقضاتنا نشهد أكثر من وجه للحقيقة، حقيقتنا، و نتذكر دوما بشريتنا، أننا لسنا آلات مبرمجة على نظام تشغيل واحد، و كذلك ليس الآخرون، فكما يشتتنا تناقضنا و يرفعنا و يخفضنا، كذلك هم يتقلبون.




و لكن تلك الحقيقة تبقى دوما حقيقة مزدوجة، ذات وجهين، نعيى و يعيى من حولنا في تحديد صورة محددة لنا، وانتهاج خطة للتعامل و التفاعل مع هذه الاختلافات، البعض يسلم لها و يعيش لحظته كما يحلو لأي نقيض أن يظهر و يتصدر الساحة الذاتية ، و البعض يعمل اختياره و تفضيله في ضرورة غلبة وجه على نقيضه، فنفاضل واحدا على الآخر، و نتحارب مع أنفسنا، و في محتدم الصراع تصقل حقيقتنا التي نبقى عليها عند تهادن النقيضين و ليس موت أحدهما لأن الصراع باق ما بقينا ، مستمرا في شد و جذب و لكن اختياراتنا هي التي تحدد ميلنا و استمرارنا في أي طريق .



هذا المعترك هو ما يميزنا عن غيرنا من الكائنات، لا نعيش كالجماد ، نبقى على حالنا مهما تغيرت الظروف . ربما تكون المتضادات ضرورة حياتية في بعض المواقف، فما لا يطوع بالقوة يطوع باللين، و العكس صحيح ، و لك أن تختبر و تجرب .و للتجربة لذة في الاكتشاف ، لما يحويه كل نقيض من استحثاث لشعور و مقارنة و استحضار لفكرة و نتيجة و قرار، و كأنك تعيش أكثر من حياة و يعصف داخلك أكثر من حوار و أنت تراقب و تفاضل و تنحاز و تتراجع و تقتنع و تنفذ....



فلندع تناقضاتنا تتحدى بعضها البعض، لنصل إلى نشوة العيش الحقيقي، التي تتأتى لنا ، عندما تكون حياتنا مجموعة حيوات...


هالة