مسحوباً إلى العدم، تنظر بعين التفحص لماهية الأشياء؛ وإذ بها فقدت هويتها! المكان فراغ والزمن ممتد على مائدة الأبدية في تلاشٍ جميل..
الصمت مخملي الكثافة هوائي التكثف.. وأنت في تلك الفوهة منضغطٌ متسعُ الإبحار للا شيئ سوى حنين مجهول وحزن مبهج..
مكانك هنا أو هناك، لم تعد للمسافات ذاك التميز الفارق!
الذاكرة مقفرة الأحداث.. كيف لحدثٍ أن يتجسد في هذا الزخم من السكون ؟
الناس، الأشياء، الكلمات.. مفردات تجردت من تعاريفها المُعلنة.. الآن تكتشفُ قاموساً جديداً شروحاته تتبعُ لا توصيف المعنى أو المضمون..
لكلٍ هويةٌ مُفردة تحطُّ في وجودها بلا دلالات أو إشارات.. فقط كما هي.. فقط كما هُم..
وحيث تجلس ملامساً أطراف اللامنتهى، تمتلئ بحديث مُشفَّر وتَفرغُ من الكلمات..
وجودك حيث اللاوجود وكينونتك مفهومٌ واسع يمتد في كل ذرة هواء تدخل رئتيك ثم تخرج منها لتدور في حلقتها إلى رئات أخرى، ثم نسائم صيف، ثم رياح شتاء تحمل أجنة البحار إلى أمهات الغيم لتهطل سقاءاً يمتزج بالتربة والصخر وأوراق الشجر، وتعود إليك في تكوين جديد، أو تهبط على وجهك محمولة بنسمة من رئة أخرى لتختلط بدمعك ونَفَسك وتنفذ إلى جلدك..
جحودٌ أن نحصر مواقعنا بأشبارٍ من أرضٍ تحمل هيكلنا المحدود.أم هو ظلمٌ للإحداثيات أن ننكرَ عليها خاصية التفرُّع والامتداد؟
سحيقٌ هذا العُمق، لكنه وشيكُ التسطُّح، وبين نقيضيه التفاتةٌ واحدة من الكل إلى الجزء!!
----
عد بي إلى رحم أمي في ظلمات ثلاث ... حين كنت أسمع وأبصر وأُدرك ..
طاهر رحمك يا أمي إذ منحني ذاك الصفاء و تلك الكينونة التي لم تتطلب عناء تحقيقها أو البحث عنها ...
كم علي أن أقص من ذاكرتي ووحلي و عَفني لأدرج إلى ظلمة منيرةٍ كتلك التي نحبتُ اغتراباً حين خرجتُ منها؟
كم علي أن أجتث مني و أطرح عني كي أعود فارغة التكدُّس ممتلئة الفهم ومُدَوزنة الاتجاهات؟
حين وُلدتُ صرختُ فيهم: أيها الأشقياء كيف تخرجونني وقد عرفتم قبلي مرارة الهبوط من الجنة؟؟
لكن لغتي كانت مفككة التساؤل مريرة الذهول و مدوية اللوم..فلم يجيبوني!
---
بعد نحركَ إياكَ في استفهاماتٍ لذيذة الوجع، تعود لذاك الذي يفرضُ هيمنته عليك و يهمس في أذنك بكلمة واحدة:
الآن ...
لتطفو على موجةِ التقسُّم، تتقسم لتتجذر.. تنصهر لتتشكَّل.. افرد جناحيك أو ذراعيك - إن بقي منك ما تملكُ له أمراً، واتخذ من ذوبانك مركباً تدرجُ منه إلى أفقِ آفاق المنتهى..
لا دفة ولا شراع توجهانك سوى تلاشيك وفُقدانكَ منك..
في هذا الفقدِ فقط سَتَجِدْ...
----
غداً، في تبصرك من زاوية حنين أو اشتياق أحياهُ انشطارٌ مجنون أو هذيانٌ في جمجمة مسكونة وغير ساكنة، لا تُخمِّن من أي زاوية تطل منها، كأي وحيد يدخل حانة ويدعي قراءة وجوه الغرباء.. فما زال الغريب غريباً..ومازادته غربته إلا اغتراب.. فتلفع حنينك واشرب عليه نخب التهجُّر..
بعض النفوس ما خلقت للسُّكنى، كما بعض البيوت تؤثر الهَجر....
وارضَ بقسمتكَ بين مكوثٍ و ارتحال...